﴿وامسحوا برءوسكم وأرجـلِـكم﴾ بقراءة الخفض !

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: [١٢٨/٢١] :-

«..ونُقِل عنه ﷺ المسحُ على القدمين في موضع الحاجة مثل أن يكون في قدميه نعلان يشق نزعهما، وأما مسح القدمين مع ظهورهما جميعا فلم ينقله أحد عن النبي ﷺ وهو مخالف للكتاب والسنة.»

إلى أن قال في [١٣١/٢١] :-
«وأما القراءة الأخرى -وهي قراءة من قرأ {وأرجـلِـكم} بالخفض- فهي لا تخالف السنة المتواترة؛ إذ القراءتان كالآيتين والسنة الثابتة لا تخالف كتاب الله بل توافقه وتصدقه؛ ولكن تفسره وتبينه لمن قصر فهمه عن فهم القرآن؛ فإن القرآن فيه دلالات خفية تخفى على كثير من الناس وفيه مواضع ذكرت مجملة تفسرها السنة وتبينها.
والمسح اسم جنس يدل على إلصاق الممسوح به بالممسوح ولا يدل لفظه على جريانه لا بنفي ولا إثبات. قال أبو زيد الأنصاري وغيره: العرب تقول: "تمسحت للصلاة". فتسمي الوضوء كله مسحا ولكن من عادة العرب وغيرهم إذا كان الاسم عاما تحته نوعان: خصوا أحد نوعيه باسم خاص. وأبقوا الاسم العام للنوع الآخر كما في لفظ الدابة فإنه عام للإنسان وغيره من الدواب لكن للإنسان اسم يخصه فصاروا يطلقونه على غيره. وكذلك لفظ الحيوان؛ ولفظ ذوي الأرحام يتناول لكل ذي رحم؛ لكن للوارث بفرض أو تعصيب اسم يخصه. وكذلك لفظ المؤمن يتناول من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ ومن آمن بالجبت والطاغوت: فصار لهذا النوع اسم يخصه وهو الكافر وأبقي اسم الإيمان مختصا بالأول. وكذلك لفظ البشارة ونظائر ذلك كثيرة. ثم إنه مع القرينة تارة ومع الإطلاق أخرى يستعمل اللفظ العام في معنيين: كما إذا أوصى لذوي رحمه؛ فإنه يتناول أقاربه من مثل الرجال والنساء. فقوله تعالى في آية الوضوء: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجـلِـكم﴾ يقتضي إيجاب مسمى المسح بينهما. وكلُّ واحد من المسح الخاص الخالي عن الإسالة والمسح الذي معه إسالة: يُسمىٰ مسحا؛ فاقتضت الآية القدر المشترك في الموضعين ولم يكن في لفظ الآية ما يمنع كون الرِجْل يكون المسح بها هو المسح الذي معه إسالة ودل على ذلك قوله: {إلى الكعبين} فأمر بمسحهما إلى الكعبين. وأيضا فإن المسح الخاص هو إسالة الماء مع الغسل فهما نوعان للمسح العام الذي هو إيصال الماء ومن لغتهم في مثل ذلك أن يكتفى بأحد اللفظين كقولهم:
"علفتها تبنا وماء باردا"
والماء سقي لا علف. 
وقوله:
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا
والرمح لا يُتقلد. ومنه قوله تعالى: {يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين} إلى قوله: ﴿وحورٍ عين﴾ [بقراءة الخفض].  فكذلك اكتفى بذكر أحد اللفظين وإن كان مراده الغسل ودلّ عليه قولُه: {إلى الكعبين} والقراءةُ الأخرى مع السنة المتواترة. ومن يقول: يمسحان بلا إسالة: يمسحهما إلى الكعاب لا إلى الكعبين، فهو مخالف لكل واحدة من القراءتين كما أنه مخالف للسنة المتواترة وليس معه لا ظاهر ولا باطن ولا سنة معروفة وإنما هو غلط في فهم القرآن وجهل بمعناه وبالسنة المتواترة. وذكر المسح بالرجل مما يشعر بأن الرجل يمسح بها بخلاف الوجه واليد فإنه لا يمسح بهما بحال ولهذا جاء في المسح على الخفين اللذين على الرجلين ما لم يجئ مثله في الوجه واليد ولكن دلت السنة مع دلالة القرآن على المسح بالرجلين. ومن مسح على الرجلين فهو مبتدع مخالف للسنة المتواترة وللقرآن ولا يجوز لأحد أن يعمل بذلك مع إمكان الغسل. والرِجْل إذا كانت ظاهرة وجب غسلها، وإذا كانت في الخف كان حكمها كما بينته السنة. 
      كما في آية الفرائض فإن السنة بينت حال الوارث إذا كان عبدا أو كافرا أو قاتلا. ونظائره متعددة. والله سبحانه أعلم.»

تعليقات